قانون التصالح في بعض مخالفات البناء: كيف يؤثر عليك؟

  • نُشرت في 29 نوفمبر 2019

ينشر مرصد العمران سلسلة من المقالات الخاصة بقانون التصالح في بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها، والمعروف إعلاميًًّا بقانون التصالح، وهو تشريع جديد من المتوقع أن يكون له أثر كبير على عمران ومساكن مصر حال تطبيقه بعد دخوله حيز التنفيذ في شهر يونيو الماضي. 

ولكن رغم بقاء أسابيع على الانتهاء من العمل بالقانون رقم 17 لسنة 2019، وغلق باب التقدم للتصالح، يشرع مجلس الشعب في تمديد العمل به ستة أشهر أخرى وتعديل بعض مواده. فلماذا لم يستجب الناس لقانون من المفترض أنه في صالحهم؟

 

ملحوظة: تم تعديل قانون التصالح في أوائل شهر يناير 2020 بإصدار القانون رقم 1 لسنة 2020 وتم كتابة مقال جديد يتناول التعديلات. إضغط هنا لقرأته

 

مقدمة

توجد العديد من المخالفات الخاصة بعمليات البناء والعقارات، ولكل مجموعة من المخالفات القوانين الخاصة بها، وفي بعضها توجد آليات للتصالح وتقنين الوضع. فهناك البناء على أراضي دولة بوضع اليد أو البناء على أراضي خُصصت للزراعة والاستصلاح (تغيير نشاط) وصدر لها القانون رقم 144 لسنة 2017 لتقنين أوضاعها.[1] وهناك البناء على أراضٍ زراعية قديمة، ويتعامل معها قانون الزراعة، ولكن في حال تقنين وضع اليد على أراضي الدولة، أو البناء على أراضٍ زراعية داخل الأحوزة العمرانية (كردونات) للقرى، أو البناء على أراضٍ خاصة داخل المدن بالمخالفة لقانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 ولائحته التنفيذية، يمكن التصالح على أعمال البناء نفسها من خلال القانون رقم 17 لسنة 2019.

تشير إحصاءات مرصد العمران إلى أن هناك نحو 8.2 مليون وحدة تم بناؤها بدون الحصول على ترخيص منذ سنة 2007، ولكن بعد مرور خمسة أشهر من الستة التي يسمح فيها بتقديم طلبات التصالح، تم تلقي فقط 32 ألف طلب على مستوى الجمهورية، وهي نسبة لا تذكر من أعداد العقارات المخالفة. فواجه تطبيق القانون عدة عواقب لتعقيد وتعدد إجراءاته وعدم وضوح العديد من تفاصيله. أهمها لأصحاب العقارات ثلاث عقبات رئيسية، لم تتناولها مناقشات تعديلات القانون بمجلس النواب:

العقبة الأولى هي عدم وضوح المبالغ المطلوب تسديدها للتصالح قبل التقديم للأغلبية العظمى، وعلى رأسها قيم غرامة التصالح حيث تقوم كل محافظة ومدينة جديدة بنشر قرارات بالقيم المحددة، حيث نشر حتى اليوم لثلاث محافظات فقط. كما ترتفع أثمان التقرير الهندسي والرسوم الخاصة به من قبل نقابة المهندسين والتي تمثل نسبة من غرامة التصالح والتي لا يعرفها الأغلبية كما ذكرنا. أما العقبة الثانية فهي على مَن ينطبق القانون: صاحب العقار الأصلي الذي قام ببنائه، أم مالك الوحدة السكنية الذي قام بشرائها منه أو من آخرين بعده؟ فهل من العدل أن يسدد شاري بضاعة فاسدة غرامة عليها؟ هنا نأتي إلى العقبة الثالثة وهي اختصاص القانون بالتصالح مع العقارات كاملةً وليس على مستوى الوحدة، فهناك العديد من العقارات التي يسكنها ملاك يرغبون في التصالح وآخرون لا يرغبون أو ليس لديهم إمكانية تسديد الغرامات. فلن تقوم بقية السكان بتسديد حصتهم في الغرامة بالنيابة عنهم.

نظرًا إلى أن القانون أصبح أمرًا واقعًا، ولإدراك الدولة عواقبه وإعادة مناقشته في مجلس النواب لتداركها، يسلط هذا المقال الضوء على أهم تفاصيله من وجهة نظر أصحاب العقارات، ويُختتم ببعض التوصيات لتعديله.

 

ما هي مخالفات البناء؟

ديباجة قانون التصالح تفتتح بأنه “يجوز التصالح في الأعمال التي ارتكبت بالمخالفة لأحكام القوانين المنظمة للبناء.”[2] هنا اختص القانون أعمال البناء نفسها، والتي قام بها المقاول وصاحب العقار الأصلي، وينظمها قانون البناء الموحد رقم 119 لسنة 2008 والتي تنص المادة 39 منه بالحصول على ترخيص لإنشاء المباني أو المنشآت، أو لتوسيعها وتعليتها وتعديلها وتدعيمها وترميمها وهدمها، أو إجراء أي تشطيبات خارجية بها. فأي عمل من هذه الأعمال قام به صاحبه دون رخصة، مطالب بالتصالح.

ولكن هناك شروطًا للتصالح وأنواعًا من المخالفات لا تقبل التصالح. فمن حيث الزمن، فقط المخالفات التي تمت قبل تاريخ العمل بالقانون، 8 إبريل 2019 (المادة الأولى)، هي التي سيتم التصالح معها، وفي الأرياف، حدد 22 يوليو 2017 كآخر تاريخ للتصالح للمباني المتاخمة للأحوزة العمرانية (الكردونات) للقرى (المادة الأولى)، والتي تقع خارج الكردون. على نطاق آخر، يمتد التصالح إلى المخالفات القديمة ولكن إلى تاريخ مبهم. فآخر قانون مماثل صدر سنة 1986، كما صدرت عدة قرارات بمد المرافق إلى المباني المخالفة، ولكن دون تقنين وضعها.

أما المخالفات التي لا تصالح معها فهي الأعمال المخلة بالسلامة الإنشائية: التعدي على خطوط التنظيم، مخالفات المباني ذات الطراز المعماري المتميز، تجاوز قيود الارتفاع المقررة من سلطة الطيران المدني، أو متطلبات شئون الدفاع عن الدولة، البناء على أراضي دولة ما لم تكن الحيازة مقننة حسب قوانين أخرى، البناء على أراضٍ خاضعة لقانون الآثار أو حماية نهر النيل (المادة الأولى).

 

كيف تعرف أن العقار مخالف؟

الطريقة القاطعة لمعرفة أن العقار، أو جزءًا منه (وحدة أو غرفة إلخ…) مخالف، هي عدم وجود رخصة بناء له. ولكن لأنه تم حرق عدد من الأرشيفات الورقية للأحياء وضاعت العديد من النسخ الأصلية لرخص البناء وقت الثورة، فإنه يمكن التأكد من وجود محضر بالمخالفة وقرار بالإزالة، أو ربما قضية ضد القرار، سواء جارية، أو تم الحكم فيها وثبتت المخالفة، ولكن تأخرت الإزالة. كما أن أي وحدة بها عداد كهرباء “كودي”، وهو مثله مثل العداد الإلكتروني سابق الدفع بـ (كارت شحن)، ولكن على العقد والإيصالات لا يوجد اسم لمالك الوحدة، ولكن فقط رقم كودي، فإنها تعد مخالفة.

 

آلية تطبيق التصالح

حسب قانون التصالح، تُقدم طلبات التصالح إلى لجان فنية على مستويات المدن أو الأحياء أو المراكز، أو الهيئات وأجهزتها (مثل المدن الجديدة والمناطق السياحية)، والتي تقوم بالبت في طلبات التصالح وتقنين الأوضاع (المادة 4)، وعليه يتم تجميد الدعاوى والإجراءات القضائية ضد المخالف. كما يمكن لمن صدرت ضده أحكام نهائية بالغرامة أو السجن التقدم وتجميد هذه الأحكام.

تضم طلبات التصالح العديد من الأوراق والمستندات كما تبينها اللائحة التنفيذية للقانون بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1631 لسنة 2019، بالإضافة إلى شرح مبسط في كتيب الاستفسارات التي أصدرته وزارة الإسكان. أهم هذه المستندات ما يثبت علاقة طالب التصالح بالعقار (من عقود أو إيصالات مرافق)، وتقرير هندسي يثبت صلاحية المبنى من الناحية الإنشائية، وما يثبت وقوع المخالفة قبل العمل بالقانون، أي قبل إبريل 2019 (محاضر مخالفات، إيصالات مرافق، إلخ…)، أو قبل يوليو 2017 للمباني التي تقع خارج الأحوزة العمرانية بالقرى.

في حال قبول التصالح، يصدر قرار من المحافظ أو رئيس الهيئة بالتقنين، بما يترتب عليه انقضاء الدعاوى وإلغاء قرارات الإزالة، وحفظ التحقيقات، وإيقاف الأحكام إن كانت صدرت، “ويعتبر ترخيص منتج لجميع آثاره بالنسبة للأعمال المخالفة محل هذا الطلب”، وفي حال صدور حكم، وقف تنفيذه (المادة 6). أي أن قرار التصالح بمثابة ترخيص رسمي بالبناء، ما يعني قبوله بالشهر العقاري في حال الرغبة في تسجيل العقار. وقتها يتم تسديد قيمة التصالح، دفعة واحدة، أو بالتقسيط على ثلاث سنوات بالإضافة إلى الفوائد البنكية بعد تسديد 25% منها (اللائحة التنفيذية، مادة 11).

في حال رفض التصالح، أو عدم تسديد مقابل التصالح (المادة 9)، يصدر قرار بالرفض وتستكمل الإجراءات التنفيذية (إزالة، أو تصحيح أعمال) واستئناف نظر الدعاوى القضائية. بينما يمكن لصاحب الطلب التظلم للجنة أنشئت خصوصًا لهذا الغرض (المادة 10).

ما هي تكاليف التصالح؟

على طالب التصالح تسديد عدد من المطالبات المالية والقيام بأعمال مكلفة لتقديم طلب التصالح، وعند قبوله، تسديد الغرامة. ولكن هذه التكاليف تتباين بشكل كبير، ولم تحدد الغرامات للأغلبية العظمى من المحافظات حتى اليوم.

طلب التصالح

تتراوح قيم طلبات التصالح ما بين 125 جنيهًا حتى 5000 جنيه حسب مساحة المبنى، وموقعه سواء في المدن أو القرى وتوابعها (المادة 4 من اللائحة التنفيذية). فعلى سبيل المثال، صاحب بيت ريفي مكون من دورين، كل دور 100 متر مربع، سيسدد 125 جنيهًا، بينما يسدد صاحب عقار، أو مجموعة من ملاك عقار بمدينة 2000 جنيه، لعقار 100 متر، مكون من عشرة أدوار (شكل 1).

 

شكل 1: جدول قيم طلبات التصالح (وليست الغرامة) حسب اللائحة التنفيذية لقانون التصالح

 

التقرير الهندسي والمستندات الأخرى

مطلوب عدة مستندات أغلبها حكومية وتخضع أسعارها حسب الجهة المطلوب منها المستند. أعلى هذه المستندات قيمة هي تقرير مقدم من مكتب استشاري في الهندسة الإنشائية بكافة تخصصاتها،[3] ومعتمد من نقابة المهندسين الخاصة يثبت السلامة الإنشائية للمبنى وأنه لا يشكل خطرًا على الأرواح (المادة 3 من الائحة التنفيذية). فحسب بعض المكاتب، يتكلف التقرير لمبنى بسيط أقل من ستة أدوار 10 آلاف جنيه، ولكن تزداد التكاليف بشكل مطرد للمباني الأكبر نظرًا إلى احتياجها إلى عمل جسات في التربة وأخذ عينات من الخرسانة واختبارها، لذا قد يصل إلى عشرات الآلاف من الجنيهات.

بالإضافة إلى رسوم المكتب الاستشاري، توجد رسوم تسدد إلى نقابة المهندسين ما بين 1.5 إلى 3 في الألف من القيمة الإجمالية للمخالفة (انظر لاحقًا) بحد أدنى 500 جنيه للتقرير،[4] ولكن مع إضافة القيمة النسبية، ستصبح عدة آلاف من الجنيهات.

طلاء الواجهات

ألزم القانون طلاء الواجهات كشرط من شروط قبول طلب التصالح (المادة 6). فحسب مساحة الواجهة وأعدادها، ستكون هناك تكلفة إضافية من عدة آآلاف من الجنيهات لأصحاب العقارات غير المشطبة من الخارج.

غرامة مقابل التصالح

بالنسبة إلى التكلفة الأكبر للتصالح، وهي غرامة التصالح نفسها، ترك القانون تقديرها إلى لجان التقييم على مستوى المحافظات لتتراوح ما بين 50 إلى 2000 جنيه للمتر المربع (المادة 5). وهذا حسب معايير مكانية تعطي قيمًا أقل للنجوع والقرى بالريف، بالمقارنة بقيم أعلى بالمدن وعواصم المحافظات، بالإضافة إلى مواقع العقارات داخل المدن والقرى. وحتى أواخر نوفمبر 2019، ومع بقاء أقل من شهرين على انتهاء العمل بالقانون، أصدرت فقط أربعةة محافظات قرارات بتحديد قيمة المتر، والتي تتباين طريقة التقييم بين كل محافظة سواء حسب عروض الطرق ومستواها، أو عدد أدوار العقارات، وقد يختلف الحال في محافظات أخرى (جدول 1).

 

جدول 1:مقارنة طرق حساب قيم التصالح مع مخالفات البناء لبعض المحافظات (جنيه للمتر المربع)  ملحوظة: هذه متوسطات استرشادية للمحافظات والرجاء مراجعة قرارات المحافظين المرفقة أدناه لمعرفة القيم الرسمية لغرامة التصالح.

 المحافظة الدقهلية   القليوبية
آلية حساب الغرامة مستوى أول مستوى ثاني مستوى ثالث أقل من 6 أدوار 6 أدوار أو أكثر
حضر عواصم 1000 800 600 300 400
مدن ثانوية 800 500 300 250 350
مدن صغيرة 600 400 200 150 200
متوسط 800 567 367 233 317
ريف قرى 200 150 100 75 150
توابع 175 125 75 50 100
متوسط 188 138 88 63 125

قرارات المحافظين بخصوص قيم التصالح كما تم نشرها بالجريدة الرسمية أو على صفحة وزارة الإسكان حتى 27 نوفمبر 2019:

قرار محافظ الدقهلية رقم 488 لسنة 2019

قرار محافظ القليوبية رقم 784 لسنة 2019

قرار محافظ بني سويف رقم 1891 لسنة 2019

-قرار محافظ كفر الشيخ رقم 18739 لسنة 2019

قرار محافظ الشرقية رقم 14754 لسنة 2019 (حسب وزارة الإسكان ولم ينشر بالجريدة الرسمية بعد)

 

بالإضافة إلى هذه القيم، توجد معايير أخرى تطبق نسبًا من هذه القيم على المخالفات تتراوح ما بين 5% و100% حسب طبيعتها ما بين المخالفة للشروط التخطيطية، أو المعمارية أو الإنشائية، أو النشاط إلى آخره (اللائحة التنفيذية، مادة 7د). ونظرًا إلى تعقيد هذه الحسابات، أصدرت وزارة الإسكان كتيبًا استرشاديًّا أوضحت به عددًا من التباديل والتوافيق لأنواع المخالفات وكيفية تطبيق معايير الاحتساب على عدة صفحات (شكل 2).[5] عند صدور القرار بالتصالح يتم تسديد قيمة التصالح، دفعة واحدة، أو بالتقسيط على ثلاث سنوات بالإضافة إلى الفوائد البنكية بعد تسديد 25% منها (اللائحة التنفيذية، مادة 11).

 

شكل 2: أحد نماذج احتساب قيمة المخالفة حسب كتيب الاستفسارات الذي أصدرته وزارة الإسكان

 

على سبيل المثال، حسب هذه القيم وطرق الحساب، يمكن لصاحب شقة 150 مترًا في مدينة المنصورة بالدقهلية، مبنية “غير مطابقة للاشتراطات البنائية والتخطيطية” كما بالشكل 2، أن يُطالب بتسديد 150 ألف جنيه مقابل التصالح (150م× 1000جنيه/م × 100%). بينما عائلة صاحبة منزل ريفي بمساحة 100 متر مكون من أربعة أدوار بقرية صغيرة بالقليوبية منهم دوران مخالفان إنشائيًّا كما بالشكل 2، ودوران غير مطابقين، ستقوم بتسديد 12 ألف جنيه غرامة تصالح (100م × 2 دور × 50 جم/م × 20% للمخالفة الإنشائية = 2000 جم) + (100م × 2 دور × 50 جم/م × 100% غير مطابقة = 10 آلاف جنيه).

 

أهمية التصالح لمُلاك العقارات الأصليين

هنا لا بد أن نفرق بين الملاك الأصليين للعقارات، أي من قام بعملية البناء، ومن قام بشراء وحدة مخالفة. فالأول تقع عليه المسئولية الجنائية لمخالفة قانون البناء وتوجه إليه الإنذارات والمحاضر، والأحكام القضائية. ولذا فلقانون التصالح أهمية لدى الملّاك الأصليين نظرًا إلى نصه على تجميد الملاحقات القانونية عند تسليم طلب التصالح، وإن قُبل، تُسقط الدعاوى وتُحفظ التحقيقات ويُوقف تنفيذ الأحكام، إن كان هناك أحكام نهائية بالحبس. فالمستفيد الأكبر من هذا النص هم المُلاك الساكنون بهذه العقارات ومن قاموا ببنائها لاحتياجهم الاجتماعي للمسكن، خاصة في الريف. ولكن هناك الكثير من المُلاك المستثمرين، وأغلبيتهم بالمدن، الذين تمرَّسوا على البناء المخالف بغرض الاستثمار، وقاموا باللجوء إلى “الكاحول”، وهو شخص يتحمل العواقب القانونية بالوكالة عن المالك الأصلي في مقابل مبلغ مالي.

أهميته لمُلّاك الوحدات بالشراء

نظرًا إلى عدم تواجد مسئولية قانونية على مُلاك الوحدات المخالفة بالشراء، فالأهمية الوحيدة للتصالح هي شراء راحة البال. من ناحية، يؤدي التصالح إلى إصدار شهادة بمثابة ترخيص رسمي بالبناء، وهي أحد شروط تسجيل الملكية بالشهر العقاري، وتسلم عقد مسجل لمن يرغب فيه، وتوصيل المرافق بشكل رسمي. ولكن تنخفض نسب التسجيل في مصر إلى ما بين 3% إلى 10% فقط من العقارات،[6] وتعتمد الأغلبية العظمى على منظومة القضاء في تسجيل العقود فقط (وليس العقار) من خلال أحكام صحة التوقيع أو الصحة والنفاذ. كما قامت وزارة الكهرباء بتوصيل 896 ألف من العدادات الرسمة حتى سنة 2011،[7] بالإضافة إلى 1.8 مليون من العدادات الكودية إلى العقارات المخالفة ما بين عامي 2011 و2018.[8] لذا، لا يوجد دافع كبير لقيام سكان العقارات المخالفة بالتصالح، خاصة لمن لديهم مرافق قبل سنة 2011، بالنيابة عن المُلاك الأصليين، أو بالمشاركة معهم.

من ناحية أخرى نص قانون التصالح على استكمال إجراءات المخالفات البنائية إذا رُفض طلب التصالح وللعقارات التي لم يُقدم لها طلب تصالح، والتي تترتب عليها، عند ثبوت المخالفة، إصدار قرار للإزالة. ولكن اعترف مجلس النواب ورئيس الوزراء بصعوبة تطبيق القانون على هذه الأعداد الكبيرة من المباني المخالفة، وبأهمية المصلحة العامة، أي الحفاظ على مساكن الملايين. فماذا سيتغير بعد إغلاق باب تقديم طلبات التصالح؟ هنا يناقش مجلس النواب من ضمن تعديلات قانون التصالح قطع المرافق عنها حال عدم تقدمهم بطلبات التصالح، أو الحجز الإداري عليها، أو رفع قيم المرافق ثلاثة أضعاف على من لم يتقدم إلى التصالح. ولكن يشوب هذه التهديدات عدم الدستورية.

أهميته لسكان العقار والعقارات المجاورة

أحد مطالب التقنين تقديم تقرير عن السلامة الإنشائية للمبنى (المادة 4)، وهو مطلب مهم نظرًا إلى تفشي ظاهرة انهيار العقارات في مصر. ففي سنة 2012/2013 وقع أكثر من 390 حادث انهيار، تسببت المباني المخالفة في أقل من 10% منها، والتي كانت وراء 36% من حالات الوفاة التي تم رصدها.[9] وكان ذلك بسبب الأبراج المكونة من عشرة أدوار فأكثر، والتي تم بناؤها في عدد من مدن مصر، على رأسها الإسكندرية والقاهرة، والتي كانت مكتظة بالسكان، أو انهارت فوق العقارات الأصغر المجاورة لها. فشرط اجتياز التقرير الهندسي يعتبر شرطًا مهمًّا للسلامة العامة للمباني الكبيرة.

ولكن تتعدد المخالفات الإنشائية ما بين ما يمكن إصلاح وضعه ليصبح آمنًا، إلى ما لا يقبل الإصلاح، ولم ينص القانون على إعطاء فرصة لإصلاح العقار المعيوب. وهل ستقوم الحكومة بإزالة العقارات غير الآمنة إنشائيًّا، والتي عجزت من قبل على إزالتها، مع توفير سكن بديل لسكانها؟

 

خاتمة: مقترحات تعديل القانون

قاعدة تطبيق أي قانون تُبنى على نشر العدالة بين المواطنين. فإذا شعرت الأغلبية من المواطنين بالاستفادة منه ورجوعه عليهم بفائدة، كان تطبيقه سهلًا، وشجع السكان الحكومة على تطبيقه. أما إذا كان الغرض منه فرض الجباية فقط، وعمله كأداة تحكم، فسيتهرب منه السكان، بل سيقومون برفضه، وهذا ما نراه في تعثر تطبيق قانون التصالح حتى اليوم.

مع إعادة مناقشته في مجلس النواب، وبناءً على التحليلات المقدمة في هذا التقرير، يطرح مرصد العمران هذه التوصيات:

1. عدالة التطبيق

لا بد من مراعاة فرق جوهري بين الوحدات التي تقوم بدور اجتماعي وتحقيق الحق في السكن لأصحابها، وبين الوحدات الاستثمارية. يجب أن يعفي القانون وحدة واحدة بمساحة لا تزيد على 100 متر مربع، وهو متوسط مساحة الوحدات، لكل أسرة: الزوج والزوجة والأولاد القصر. يمكن تطبيق هذا بسهولة من خلال ميكنة جميع طلبات التصالح، مع مقارنتها بقاعدة بيانات الضرائب العقارية، والتي تغطي جزءًا كبيرًا من الثروة العقارية.

هذه الخطوة ستحل معضلة المالك الأصلي أم المشتري، لأنه يمكن لمالك أصلي أن يكون قد قام ببناء وحدة واحدة للانتفاع الشخصي بها، ويمكن أن يكون هناك من قام بشراء عدد من الوحدات غير الرسمية بغرض الاستثمار. كما أن أعداد الوحدات تفوق أعداد الأسر ويظل الكثير منها خاليًا من السكان، لذا من الصعب على كبار الملاك التهرب وتسجيلها بأسماء أشخاص آخرين، لأن قاعدتي بيانات طلبات التصالح والضرائب العقارية ستُظهر ذلك.

2. التصالح على الوحدة وليس العقار

مع الإبقاء على فتح ملف واحد لكل عقار، واستلام تقرير واحد هندسي، يجب تعديل آلية التصالح لتسمح بتصالح أصحاب الوحدات، كلٍّ على حدة، وذلك حال استيفاء العقار الحدود الدنيا للأمان الإنشائي. هذه الخطوة ستساعد على زيادة الإقبال على التصالح، ما يزيد من دخل الدولة منه، بينما الإبقاء على تصالح العقار بأكمله لا يحمل أية ميزة وقد عرقل العديد من طلبات التصالح.

3. خفض قيم التصالح والإعلان عنها قبل التطبيق

قيم التصالح العليا مجحفة. فلا توجد 300 مليار جنيه سيولة عند المواطنين، وهو المبلغ الذي يعتقد أمين سر لجنة إسكان مجلس النواب أنه يمكن تحصيله. فحتى ربعه، وهو قيمة المقدم إذا تم تقسيط الغرامة لجميع الطلبات، يضاهي إجمالي قيمة الاستثمارات الخاصة في قطاع الإسكان لسنة كاملة،[10] أي أن المواطنين العاديين لا يملكون هذه المبالغ، خاصة من قام بإنفاق كل ما عنده، بل قام بالاستدانة، لتسديد ثمن الوحدة السكنية.

لذا يجب تخفيض الحد الأعلى للغرامة من 2000 جنيه للمتر المربع، إلى 500 جنيه حتى تكون مبالغ الغرامات واقعية ويمكن على أصحاب العقارات تسديدها. من المهم أيضًا إعلان جميع المحافظات والمدن الجديدة قيم التصالح قبل تطبيق المدة الجديدة المقترحة بالتعديلات لتطبيق قانون التصالح.

4. توجيه الحصيلة لترميم العقارات أو إيجاد سكن بديل

ينص قانون التصالح على توجيه الأغلبية العظمى من حصيلة غرامات التصالح إلى مشاريع الإسكان الحكومية والمرافق والتنمية العمرانية، وهي كلها مطلوبة. ولكن أغفلت هذه المخصصات مئات الآلاف من الوحدات بالعقارات القديمة الآيلة إلى السقوط،[11] بالإضافة إلى العقارات الجديدة التي ستُظهر التقارير الهندسية أنها غير آمنة. وكما أن من أهداف قانون التصالح الرئيسية “الحفاظ على الثروة العقارية”،[12] يجب تخصيص نسبة لا بأس بها من الحصيلة لترميم المياني غير الآمنة، ولتوفير مسكن بديل لسكان المباني التي لا تقبل الترميم أو التي وجب إزالتها لعدم خضوعها لقانون التصالح (قيود الارتفاع، خطوط التنظيم، إلخ…).

شكر وعرفان

كتابة: يحيى شوكت

باحث مساعد: على المغازي

مراجعة لغوية: أحمد الشبيني

الصورة الرئيسية: مبني غير رسمي تم تنفيذ الإزالة بأجزاء منه، الجيزة، يوليو 2019. مرصد العمران.

المراجع والملاحظات

[1]  من المهم الاطلاع على نسخة رسمية مطبوعة حديثًا من أي قانون في أي شأن رسمي، وليس الاعتماد على النسخ الرقمية لأنها غير معتمدة رسميًّا. يمكن شراء هذه النسخ من المطبعة الأميرية ومكاتبها، أو من المكتبات القانونية من خلال عنوان القانون أو رقمه، أو تاريخ نشره بالجريدة الرسمية.

[2]  يختص القانون أيضًا بالمخالفات الخاصة بتغيير النشاط، ولكن لا يتطرق إليها هذا المقال.

[3]  تنص المادة الأصلية على أن يكون الاستشاري متخصصًا في تصميم المنشآت الخرسانية أو المنشآت المعدنية، ولكن نظرًا إلى ضآلة أعداد هذه الاختصاصات، خاصة بالمحافظات الريفية، وتعدد الشكاوى، تم تعديل النص ليضم كافة اختصاصات المكاتب الاستشارية الإنشائية حسب الكتاب الدوري للجنة الرد على استفسارات قانون التصالح (وزارة الإسكان) بتاريخ 17/9/2019. https://drive.google.com/file/d/1qnGk21bAQzOZDk1ssB9QM_YeHEbgIR1t/view?fbclid=IwAR11r5N8ETzNRuichnlX_el6TIIq5FWo-H77WsGvZ3fUiCR-weKI44iVUt0

[4] حسب الكتاب الدوري لنقابة المهندسين بتاريخ 9/10/2019.

https://drive.google.com/file/d/15hh8ttNMfiD1cTjOySMqLwBGSox73rdB/view?fbclid=IwAR0_oWMKgrIrxBKg9LYOTCU8hxkv6ZfTYsBMsKjJcP9YEsAesuZV2SDha3w

 [5] وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية, “القانون رقم 17 لسنة 2019 في شأن التصالح في بعض مخالفات البناء وتقنين أوضاعها ولائحته التنفيذية: استفسارات وإجاباتها”, سبتمبر، 2019, http://admin.mhuc.gov.eg//Dynamic_Page/637050972083779060.pdf. ص29-39

[6]  حسب الدكتورة سامية حسين، رئيس مصلحة الضرائب العقارية، كانت نسب التسجيل لا تتعدى 3% من العقارات. راجع: المال, “مؤتمر التطوير العقاري| الضرائب: 3% نسبة تسجيل العقار بمصر”, 30 أكتوبر، 2018, https://archive.ph/MLL9X. بينما أحصت دراسة سنة 1998 أن 10% من الوحدات فقط قابلة للتسجيل. راجع:Hernando De Soto, “Dead Capital and the Poor in Egypt”, ECES/ILD, يناير، 1998.

http://www.eces.org.eg/publications/View_Pub.asp?p_id=5&p_detail_id=184.

 [7] وزارة الكهرباء والطاقة, “الشركة القابضة لكهرباء مصر – التقرير السنوي 2010/2011”, 2011, http://moee.gov.eg/test_new/report.aspx. ص40

 [8] وزارة الكهرباء والطاقة, “الشركة القابضة لكهرباء مصر – التقرير السنوي 2017/2018”, 2018, http://moee.gov.eg/test_new/report.aspx. ص66

 [9] تم رصد 31 عقارًا انهار لأنه مخالف إنشائيًّا، وتسببت الانهيارات في قتل 69 شخصًا. وزارة الإسكان الظل, المبادرة المصرية للحقوق الشخصية, وتاكتيكال تك, “لماذا تنهار العقارات في مصر؟”, 2014, https://egyptbuildingcollapses.org/.

[10]  والتي كانت 77.4 مليار جنيه سنة 2017/2018. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء, “نشرة الإسكان في مصر عام 2017/2018” (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء, يوليو، 2019), 6.

[11]  هناك 3.2 مليون عقار على مستوى الجمهورية يحتاجون إلى مستويات مختلفة من الترميمات، بالإضافة إلى 100 ألف عقار غير قابل للترميم أو مطلوب هدمه. الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء, “التعداد العام للسكان والإسكان والمنشآت 2017 – المباني والوحدات” (الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء, 2017), 52.

[12] مجلس النواب, “التقرير الخامس المشترك – تقرير اللجنة المشتركة عن مشروع قانون التصالح في بعض مخالفات البناء”, 1 مايو، 2019.

https://issuu.com/youm7/docs/____________e8396f1faa78fb

Stay Updated with our Newsletter

اشترك بالقائمة البريدية لتحصل على آخر التحديثات